Phenix Center
English
 

الرئيسية > عمالة الأطفال الأردنية انتهاك صارخ لاتفاقيات العمل المحلية والدولية

عمالة الأطفال الأردنية انتهاك صارخ لاتفاقيات العمل المحلية والدولية

الاربعاء, 14 حزيران 2017
النشرة الالكترونية
Phenix Center
عمالة الأطفال الأردنية انتهاك صارخ لاتفاقيات العمل المحلية والدولية
المرصد العمالي- منى أبو حمور- دفع الفقر المطلق والمدقع العديد من الأسر الأردنية إلى زج أطفالها للعمل القسري في ظروف مهنية غير لائقة وخطرة قد تودي بحياتهم، الأمر الذي يوثق انتهاك صارخ بحق الأطفال وقصور في القوانين التي تحميهم. 
ورغم أن الأردن صادق على اتفاقيتين حول عمل الأطفال الصادرتين عن منظمة العمل الدولية والتزم بهما من الناحية القانونية، كما جاءت منسجمة مع التشريعات المحلية، إلا أن خبراء في القطاع العمالي وعمالة الأطفال أكدوا "وجود مخالفات وانتهاكات بحق الأطفال وقصور في القوانين التي تحمي الأطفال وتضبط عملهم في الحالات التي نص عليها القانون".
ويرى الخبراء أنفسهم، أن عجز الحكومات المتعاقبة في التوصل إلى إصلاح اقتصادي حقيقي حول الأسر"المعدمة" إلى  ضحايا  النظام الاجتماعي" بعد أن ذاقوا الجوع  وتجرعوا المرارة والحسرات، حتى باتت أحلامهم ليس بتحسين أوضاعهم المالية فقط بل "سد أفواه أبنائهم الجياع يوماً بيومه حتى وإن دفعوا هؤلاء ثمن صحتهم وتعليمهم".
لا يتجاوز عمر الطفل محمد-اسم مستعار- السبعة أعوام حتى بات  يفترش "بسطة خضره" على جانب الطريق السريع الذي يربط العاصمة عمان بمدينة السلط، طوال ساعات النهار يشاركه العمل والده الذي يراقبه من الجهة المقابلة له دون أن يفكر بتلك الساعات الطويلة التي يقضيها ابنه تحت أشعة الشمس الحارة في الصيف والبرد القارص في فصل الشتاء.
فقر أسرة محمد جعلته يكبر قبل أوانه، فلم يعد يفكر في مشاركة أصدقائه لعبة كرة قدم أو علبة ألوان يحملها على المدرسة أصبح همه كمية المال التي يجنيها نهاية اليوم ليكون رجل في أعين والديه.
المخاطر لا تقتصر على وقوف محمد ساعات طويلة على جانب الطريق فحسب وإنما بقطعه للشارع السريع الذي يكتظ بالسيارات طوال ساعات النهار، يقطع الشارع بسرعة كبيرة حتى يتمكن من بيع ما لدية للزبائن مسرعاً ومغمضاً عينيه من شدة الخوف إن كان سيصل الجهة المقابلة أم أن حياته ستنتهي تحت أحد عجلات السيارات المسرعة.
بعض هذه الأسر تتقاضى معونة مالية بالكاد تسد احتياجاتهم المعيشية من أجرة سكنهم او فواتير مياه وكهرباء، سيما وأن تعليمات صندوق المعونه الجديدة حددت خط الفقر المطلق بكل من يكون دخله تحت هذا الخط فقيرا والمحدد حالياً بـ 58 دينارا للفرد الواحد شهرياً. أما خط الفقر المدقع فحدد بـ 25 ديناراً للفرد شهرياً.
حال محمد لا يختلف كثيراً عن صلاح ذو العشرة أعوام الذي طوى حلمه بالتعليم والذهاب للمدرسة كأبناء عمومته وجيرانه ليأخذ من جانب الطريق موقفاً له يحمل "صينية القهوة" بيديه الصغيرتين يلوح بها للمارة لشراء المشروبات وبيع علب السجائر لهم.
"أحب المدرسة والتعليم ولكن والدي وجد أني أولى من غيري بمساعدته وتأمين التزامات البيت فوالدي لديه إصابة في العمود الفقري تمنعه من العمل"، بحرقة شديدة عبر الطفل عن معاناته جراء عمله اليومي القسري.
ويتابع أحمد شرح وضعه العائلي والخجل يغلب على ملامح وجهه الصغير، عدم إمكانيته ترك العمل وإن كانت تلك رغبته، فوالده أجبره على العمل"لتوفير أجرة العامل وحتى ما يسرقه حدا"، وفق تبريرات والده في حديثه لـ "المرصد العمالي".
الطفل أحمد من بين ما يقارب 75 ألف طفل زج بهم إلى سوق العمل، يرتدي "أفرهول الميكانيكي"الذي يكبر حجمه، يستيقظ باكراً كل صباح ليذهب مع والده إلى محل تصليح السيارات الخاص به في المنطقة الصناعية، واضعاً أدوات العمل في جيبه والسيجارة وراء أذنه.
لم يعر والد أحمد الذي يبلغ من العمر 11 عاما،  كبر حجم الأفرهول على إبنه، أو لعل الحاجة والفقر جعلاه يتجاهل أن ذلك يعني أن ابنه ما زال صغيراً على هذا العمل وأن يديه الغضيتان لا تحتمل فك "البنشر" وحمل العدة الثقيلة وأن فكره غير مدرك ولم تستعد بعد للانخراط بهذا الجو غير ملائم لسنه.
بيد أن مظهر الخمسينية أم عناد يروي ما تعانيه تلك العائلة من حاجة وجوع وقلة حيلة بعد وفاة زوجها، تخفي في تجاعيد وجهها رحلة شقاء لم تعد قادرة على الإستمرار بها، تبرر سبب دفعها لأبنائها الثلاثة للعمل بأن إبقائهم على قيد الحياة أهم من تعليمهم.
تبدأ أم عناد  يومها مع ساعات الفجر الأولى حاملة في قلبها حفنة كبيرة من الأمل بأن يكون ما تجمعه نهاية اليوم ملبياً لاحتياجات عائلتها، مبددة الخوف تسير بخطى سريعة بين المزارع تلتقط ضمم الجرجير، الفجل، الخبيزة والبصل الأخضر لتحافظ على ان تكون طازجة لتنطلق بعدها إلى جوانب الطرقات تبيع الضمة الواحدة بنصف دينار.
أم عناد مثال حي على النساء اللواتي يعملن ضمن دائرة الاقتصاد غير المنظم، تطمح من خلال عملها الشاق أن تلبي احتياجات عائلتها وتقيهم سؤال الناس. 
من جهته يشير أمين عام وزارة العمل السابق ومستشار العمل حمادة أبو نجمه إلى الناحية القانونية التي لا تجيز تشغيل الأطفال بأي صورة من الصور قبل بلوغه السادسة عشر من عمره٠
وأضاف أبو نجمه أن جواز عمل الأطفال الذين تتراوح أعمارهم مابين 16-18عاماً يشترط بالأعمال غير الخطرة على صحته وسلامته وأخلاقه بموجب نصوص قانون العمل الأردني، والتي تعرض كل من يخالفها إلى عقوبة بحيث يتم إحالتها وضبطها من قبل الفرق التفتيشية في وزارة العمل وتغريمه مبلغ يصل ال 500 دينار أردني.
يشار إلى أن الأردن صادق على اتفاقيتي العمل الدوليتين حول عمل الأطفال 138، 172 الصادرتين عن منظمة العمل الدولية والتي تنص على أن على الدولة أن تضع حداً أدنى لسن عمل الأطفال، بحيث لا يجوز تشغيل الطفل في سن التعليم الإلزامي من 15-16 سنة.
كما تفرض على الدولة ضرورة وضع قوائم بالمهن الخطرة التي تعد من أسوأ أشكال عمل الأطفال الذين يسمح لهم بالعمل وهم من سن 16-18 عاماً، خصوصاً ما يتعلق بصحة وسلامة الطفل وأخلاقه.
وحسب رأي أبو نجمة أن المشكلة ليست في القوانين وإنما في التطبيق إذ أن الدراسات بينت أن هناك 30 ألف طفل في سوق العمل في العام 2008 ، كما أنجزت وزارة العمل مع منظمة العمل الدولية دراسة لعام 2016 بينت وجود 75 ألف طفل في سوق العمل، خصوصاً بعد اللجوء السوري وزيادة عدد السكان الذي أثر على زيادة عمالة الأطفال.
ويجد أبو نجمة أن إجراءات ضبط المخالفين وتغريمهم ليس كافياً وإنما لابد من إيجاد حلول جذرية.
"الأصل حل الأسباب الرئيسيّة وهو حالة فقر الأسرة"، وفق قول أبو نجمه الذي بين أن أكثر من 70% من حالات عمل الأطفال تعود لفقر الأسرة أو للثقافة الاجتماعية السائدة عند البعض بضرورة عمل الأطفال إلا أنها حالات قليلة، الأمر الذي يعني حل المشكلة من الأساس وإيجاد حلول لمشاكل الأسرة وإيجاد مصدر للرزق للأبوين أو البالغين في الأسرة وتأمين معونة في حال عدم وجود شخص غير قادر على العمل.
ويرى أبو نجمة ضرورة تكاتف جميع الجهات المعنية لمواجهة المشكلة، التي تتطلب عملاً تشاركياً من قبل وزارة العمل، ووزارة التنمية الاجتماعية ووزارة التربية والتعليم التي يلقى على عاتقها دوراً رئيسياً، سيما وأن تسرب العديد من الأطفال من التعليم وتوجههم إلى العمل سببه عدم رضاهم عن المناهج وظروف الدراسة وتعرضهم للاعتداءات المعنوية والجسدية.
كما يشير إلى أهمية دور منظمات المجتمع المدني التي لها دور كبير في التوعية وتلبية الحاجات الحقيقية للأسر وتقديم المساعدات.
بدورها تبين المنسق الوطني لعمل الأطفال في منظمة العمل الدولية نهاية دبدوب أن تعطيل طاقات الأطفال وعدم رعايتها وتعليمها وتدريبها بطريقة أكاديمية ومهنية لائقة يعمل على تعطيل طاقات المستقبل وإبقائهم في دائرة الجهل.
وتضيف أن عدم حصول الأطفال على  حقهم الفردي في الحصول على التعليم النوعي الفردي اللائق والتدريب المهني ينشئ جيل جاهل يؤدي إلى انخراطه في التأثيرات السلبية ويسهل استقطابهم للانحراف والجريمة المنظمة.
وتلفت دبدوب إلى المخاطر التي يتعرض لها الأطفال العاملين، التي تفتقر للأبعاد الصحية، لا سيما في ظل وجود قصور في القوانين بوجوب وجود فحص طبي دوري للأطفال الذين يعملون بموجب القانون من سن 16-18عاماً، ناهيك عن الذين يعملون خلافاً للقانون في مهن خطرة وغير رسمية.
"يجب أن يكون هناك تعاون بين جميع الأطراف وإيجاد بدائل تستهدف الأسرة"، لافتة أن عمل الطفل ينتج شخص أمي كبير يكتسب سلوكيات سلبية، بحاجة إلى دعم اجتماعي وتعديل سلوك وبرامج تأهيلية وإعادة دمجهم في التعليم.
وتثني دبدوب على برنامج التعليم الذي يختصر عشر سنوات التأسيس بسنتين وهو تحت مظلة وزارة التربية والتعليم، بحيث تؤهل الأطفال للانخراط في التعليم الأكاديمي أو التدريب المهني اللائق.
"كل طفل له خصوصيته ولابد من العمل على تطوير قدراته ومن جانب آخر تقديم خدمات لأسرته"، مشيرة إلى وجود العديد من الدراسات التي أثبتت أن الجانب الوقائي والتعرف إلى الأسباب التي دفعت الأطفال للعمل تحد من ارتفاع نسبة عمالة الأطفال.
وتسلط بدورها الضوء على أهمية الرقابة داخل المدارس والنشاطات اللامنهجية التي تراعي الفروق الفردية وتحقق توسيع لمدارك الأطفال.
وكانت منظمة العمل الدولية بحسب دبدوب قد عمدت لإنشاء دليل صحة وسلامة مهنية تمكن المفتش من معرفة إن كان العمل لائق، مشددة على أن العمل تشاركي ويحتاج إلى جهود من جميع الأطراف وأدوارها تكاملية مع القطاع الأهلي والجمعيات لتقديم خدمات للأهل والطفل ووضع ميزانيات لدعم الأسر وتلبية احتياجاتها.